فخر الدين الرازي
261
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
الصفة الثالثة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وفي اللغو أقوال : أحدها : أنه يدخل فيه كل ما كان حراما أو مكروها أو كان مباحا ، ولكن لا يكون بالمرء إليه ضرورة وحاجة وثانيها : أنه عبارة عن كل ما كان حراما فقط ، وهذا التفسير أخص من الأول وثالثها : أنه عبارة عن المعصية في القول والكلام خاصة ، وهذا أخص من الثاني ورابعها : أنه المباح الذي لا حاجة إليه ، واحتج هذا القائل بقوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ * [ المائدة : 89 ] فكيف يحمل ذلك على المعاصي التي لا بد فيها من المؤاخذة ، واحتج الأولون بأن اللغو إنما سمي لغوا بما أنه يلغي وكل ما يقتضي الدين إلغاءه كان أولى باسم اللغو ، فوجب أن يكون كل حرام لغوا ، ثم اللغو قد يكون كفرا لقوله : لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ [ فصلت : 26 ] وقد يكون كذبا لقوله : لا تَسْمَعُ فِيها لاغِيَةً [ الغاشية : 11 ] وقوله : لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً [ الواقعة : 25 ] ثم إنه سبحانه وتعالى مدحهم بأنهم يعرضون عن هذا اللغو والإعراض عنه ، هو بأن لا يفعله ولا يرضى به ولا يخالط من يأتيه ، وعلى هذا الوجه قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً [ الفرقان : 72 ] واعلم أنه سبحانه وتعالى لما وصفهم بالخشوع في الصلاة أتبعه الوصف بالإعراض عن اللغو ، ليجمع لهم الفعل والترك الشاقين على الأنفس الذين هما قاعدتا بناء التكليف وهو أعلم . الصفة الرابعة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكاةِ فاعِلُونَ وفي الزكاة قولان : أحدهما : قول أبي مسلم : أن فعل الزكاة يقع على كل فعل محمود مرضي ، كقوله : قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى [ الأعلى : 14 ] وقوله : فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ [ النجم : 32 ] ومن جملته ما يخرج من حق المال ، وإنما سمى بذلك لأنها تطهر من الذنوب لقوله / تعالى : تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها [ التوبة : 103 ] . والثاني : وهو قول الأكثرين أنه الحق الواجب في الأموال خاصة وهذا هو الأقرب . لأن هذه اللفظة قد اختصت في الشرع بهذا المعنى ، فإن قيل إنه لا يقال في الكلام الفصيح إنه فعل الزكاة ، قلنا قال صاحب « الكشاف » : الزكاة اسم مشترك بين عين ومعنى ، فالعين القدر الذي يخرجه المزكي من النصاب إلى الفقير ، والمعنى فعل المزكى الذي هو التزكية وهو الذي أراده اللَّه تعالى فجعل المزكين فاعلين له ولا يسوغ فيه غيره ، لأنه ما من مصدر إلا يعبر عن معناه بالفعل . ويقال لمحدثه فاعل ، يقال للضارب فاعل الضرب ، وللقاتل فاعل القتل ، وللمزكى فاعل الزكاة ، وعلى هذا الكلام كله يجوز أن يراد بالزكاة العين ، ويقدر مضاف محذوف وهو الأداء فإن قيل إن اللَّه تعالى هناك لم يفصل بين الصلاة والزكاة ، فلم فصل هاهنا بينهما بقوله : وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ ؟ قلنا لأن الإعراض عن اللغو من متممات الصلاة . الصفة الخامسة : قوله تعالى : وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حافِظُونَ ، إِلَّا عَلى أَزْواجِهِمْ أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ وفيه سؤالات : السؤال الأول : لم لم يقل إلا عن أزواجهم الجواب : قال الفراء معناه إلا من أزواجهم وذكر صاحب « الكشاف » فيه ثلاثة أوجه : أحدها : أنه في موضع الحال أي إلا والين على أزواجهم أو قوامين عليهن من قولك كان فلان على فلانة ، ونظيره كان زياد على البصرة أي واليا عليها . ومنه قولهم فلانة تحت فلان ومن ثم سميت المرأة فراشا . والمعنى أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلا في حال تزوجهم أو تسريهم وثانيها : أنه متعلق بمحذوف يدل عليه غَيْرُ مَلُومِينَ كأنه قيل يلامون إلا على أزواجهم أي يلامون على كل مباشرة إلا على ما